فخر الدين الرازي
443
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والأحكام والأسماء . أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود اللّه وقدمه وبقاءه . وأما معرفة الصفات فهي نوعان : أحدهما : ما يجب تنزيهه عنه ، وهو كونه جوهرا ومركبا من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصا بحيز وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة : ليس ولم وما ولا ، وهذه الأربعة المذكورة ، مذكورة في كتاب اللّه تعالى لبيان التنزيه . أما كلمة ليس فقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] وأما كلمة لم ، فقوله : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 3 ، 4 ] وأما كلمة ما فقوله : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 64 ] ، ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] وأما كلمة لا ، فقوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] ، وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [ المؤمنون : 88 ] ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ * [ محمد : 19 ] . وأما النوع الثاني : وهي الصفات التي يجب كونه موصوفا بها من القرآن فأولها العلم باللّه ، والعلم بكونه محدثا خالقا ، قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 1 ] وثانيها : العلم بكونه قادرا ، قال تعالى في أول سورة القيامة بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [ القيامة : 4 ] وقال في آخر هذه السورة أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ القيامة : 40 ] وثالثها : العلم بكونه تعالى عالما ، قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ الحشر : 22 ] ورابعها : العلم بكونه عالما بكل المعلومات ، قال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] وقوله تعالى : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى [ الرعد : 8 ] وخامسها : العلم / بكونه حيا ، قال تعالى : هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ غافر : 65 ] وسادسها : العلم بكونه مريدا ، قال اللّه تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] وسابعها : كونه سميعا بصيرا ، قال تعالى : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] وقال تعالى : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] وثامنها : كونه متكلما ، قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] وتاسعها : كونه أمرا ، قال تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] وعاشرها : كونه رحمانا رحيما مالكا ، قال تعالى : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 3 ، 4 ] فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها . وأما القسم الثالث : وهو الأفعال ، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام . أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل ، كما قال تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] وأما الأجسام ، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل . أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه أحدها : البحث عن أحوال السماوات ، وثانيها : البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [ الأعراف : 54 ] وثالثها : البحث عن أحوال الأضواء ، قال اللّه تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] وقال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [ يونس : 5 ] ورابعها : البحث عن أحوال الظلال ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [ الفرقان : 45 ] وخامسها : اختلاف الليل والنهار ، قال اللّه تعالى : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [ الزمر : 5 ]